الشيخ محمد هادي معرفة
191
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
معها . فلمّا تُوفّيت لسنتين قبل الهجرة تزوّج سَوْدَة بنت زَمْعَة وكانت قد توفّي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية ، ولم يرو راوٍ أنّها كانت ذات جمال أو ثروة أو مكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثرا في هذا الزواج . وإنّما كان زوجها من الرجال السابقين الأوّلين الذين احتملوا الأذى في سبيل الإسلام وكان ممّن هاجر إلى الحبشة بأمر النبيّ عبر البحر إليها ، وكانت سَوْدَة هاجرت معه وعانت من المشاقّ ما عانى ولقيت من الأذى ما لقي . فإذن تزوّجها النبيّ بعد ذلك ليعولها وليرتفع بمكانتها إلى أمومة المؤمنين . وكان زواجه مع عائشة بعد شهر وهي لم تبلغ مبلغ النساء ، « 1 » وبقيت سنتين قبل أن يبني بها ، فليس من العقل أو يرضاه المنطق أن يكون قد علق قلبه بها وهي في هذه السنّ الصغيرة . قال الأُستاد هيكل « 2 » : يؤيّد ذلك زواجه مع حفصة بنت عمر - بعد وفاة زوجها خنيس ببدر - في غير حبّ ، بشهادة أبيها عمر ، قال لها ، عندما آذت هي وعائشة رسولاللّه : واللّه لقد علمتِ أنّ رسول اللّه لا يحبّك ولولا أنا لطلّقكِ . « 3 » قال : أفرأيت إذن أنّ محمّدا صلى الله عليه وآله لم يتزوّج من عائشة ولم يتزوّج من حفصة لحبٍّ أو لرغبة ، وإنّما تزوّج منهما لِيُمَتِّن أواصر هذه الجماعة الإسلاميّة الناشئة . كما تزوّج من سَوْدَة ليعلم المجاهدون من المسلمين أنّهم إذا استشهدوا في سبيل اللّه فلن يتركوا وراءهم نسوةً وذرّية ضعافا يخافون عليهم عَيْلة . وهكذا في زواجه من زينب بنت خزيمة ومن أُمّ سلمة . فقد كانت زينب زوجا لعبيدة بنالحارث الذي استشهد يوم بدر ولم تكن ذات جمال ، وإنّما عرفت بطيبتها وإحسانها حتّى لقّبت أُمّ المساكين ، وكانت قد تخطّت الشباب ، فلم تك إلّا سنة أو سنتين ثم قبضها اللّه . أمّا امّسَلَمة فكانت زوجا لأبي سَلَمة وكان لها منه أبناء عدّة . فلمّا توفّي زوجها على أثر جراحة أصابته في أحد فنغرت عليه ولحق بجوار ربّه . وبعد أربعة أشهر وعشرٍ من وفاته طلب النبيّ إلى امّسلمة يدها فاعتذرت بكثرة العيال وبأنّها تخطّت الشباب ، فما زال
--> ( 1 ) - قال ابنهشام : زوّجها من رسول اللّه أبوها أبو بكر ولها سبع سنين وبنى بها بالمدينة ولها تسع أو عشر . سيرة ابنهشام ، ج 4 ، ص 293 ( 2 ) - حياة محمّد ، ص 288 - 290 . ( 3 ) - الدرّ المنثور : ج 8 ، ص 221 .